محمد بن وليد الطرطوشي
203
سراج الملوك
والوجه الثاني : ما يحصل لذوي الحنكة « 1 » ، وصحة الرّويّة لطول ممارسة الأمور وكثرة التجارب ، ومرور الغير على أسماعهم ، وتقلب الأيام ، وتصرف الحوادث ، وتناسخ الدول ، قد مرت على عيونهم وجوه الغير ، وتصدت لأسماعهم أنواع الأخبار وآثار العبر . قال بعض الحكماء : كفى بالتجارب تأدّبا ، وبتقلب الأيام عظة . وقالوا : التجربة مرآة العقل ، والغرّة « 2 » ثمرة الجهل ، ولذلك حمدت آراء الشيوخ حتى قالوا : المشايخ أشجار الوقار ، وينابيع الأخبار ، لا يطيش لهم سهم ، ولا يسقط لهم وهم ، فعليكم بآراء الشيوخ ، فإنهم إن عدموا ذكاء الطبع ، فقد أفادتهم الأيام حنكة وتجربة . وقد قال الشاعر : ألم تر أنّ العقل زين لأهله * ولكن تمام العقل طول التّجارب وقال آخر : إذا طال عمر المرء في غير آفة * أفادت له الأيّام في كرّها عقلا غير أن للعقل آفات ، كما قال بعض الحكماء : كيف يرجو العاقل النجاة ، والهوى والشهوة قد اكتنفاه ، والهوى أبعد من أن تنفذ فيه حيلة الحازم المحتال ، وهو أغمض مسلكا في الجنان ، من الروح في الجثمان ، وأملك بالنفس من النفس ، والمالك للشيء . ولهذا قيل : كم من عقل أسير عند هوى أمير ، فمن أحب أن يكون حرا فلا يهوى ، وإلا صار عبدا ، كما قال عليّ بن الجهم « 3 » : أنفس حرّة ونحن عبيد * إنّ رقّ الهوى لرق شديد واختلفت الناس في العقل المكتسب ، إذا تناهي وزاد في الإنسان ، هل يكون فضيلة ، أم لا ؟ فقال معظم العقلاء : إنه فضيلة إذا كان مجموع آحاد ،
--> ( 1 ) ذو الحنكة : من جعلته التجارب وتقلبات الدهر حكيما . ( 2 ) الغرة : الغفلة والغرور . ( 3 ) علي بن الجهم : شاعر بغدادي ، كان معاصرا لأبي تمام ، غضب عليه الخليفة المتوكل لهجائه وسعاياته ، فنفاه إلى خراسان وهناك حبسه طاهر بن عبد اللّه ، وصلبه يوما كاملا ، ثم انتقل إلى حلب وخرج يريد الغزو ، فقتله فرسان من بني كلب ، حوالي سنة 249 ه له ديوان وله شعر في حبسه وصلبه ، ويتميز شعره بالرقة . ( الأعلام 4 / 269 ) .